أحمد بن يحيى العمري

47

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

قلت : وقد كان الملك المظفر « 1 » ثم ولده الملك المؤيد رحمهما الله تعالى مقصودين من آفاق الأرض ، قلّ أن يبقى مجيد في صنعة من الصنائع إلا ويصنع ( لأحدهما ) شيئا على اسمه ويجيد فيه بحسب الطاقة ثم يجهزه إليه ، أو يقصده به ويقدمه إليه من يده فيقبل عليه ويقبل منه ، ويحسن نزله ، ويسني جائزته ، ثم إن أقام في بابه أقام مكرّما محترما ، أو عاد عاد محبوا محبورا ، ولهما ولع بحبّ الغرباء وكرم متسع في الحباء ، يجزلون من نعمهم العطايا ، ويثقلون بكرمهم المطايا ، ولقد قصدهما كثير من الناس ، وحصل [ لهم ] « 2 » البرّ والإيناس ، ثم تنوّع لهم من الكرامة ما أنساهم أن ينفذوا بسلطان ، وأسلاهم عن الأوطان ، فحمدوا بالنجاح آمالا ، ووردوا خفافا ، وصدروا ثقالا ، وكان من عادتهما رحمهما الله أن لا يسمحا بعود غريب ، ولا يصفحا عن هذا عن بعيد ولا قريب قصدا لعمارة اليمن بإنارة آفاقه بكل شيء حسن ، إلا من قدّم لديهما القول بأنه أتاهما راحلا لا مقيما ، وزائرا لا مستديما ، فإنّهما كانا لا يكلفانه مقاما لديهما ولا دواما في النّزول عليهما ، بل يجزلان إفادته ، ويجملان إعادته ، وأما من جاء إليهما بنيّة مقيم ، وأقام لديهما على أنّه لا يريم ، فإنهما يرفعان مجده ، ويوسعان رفده ، ويجريان عليه الأدرار ، وإليه السحاب المدرار ، ويخليان له دارا ، ويخلّيان مملوءا له بصفوف الخدم جدارا « 3 » ، فإذا أراد الارتحال عن دارهما ، مكناه من العود كما جاءهما ، وخرج عنهما على أسوأ حال ، مسلوبا بما استفاد

--> ( 1 ) هو الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن علي بن رسول ، ولي ملك اليمن بعد وفاة والده المنصور في ذي القعدة سنة 647 ه / شباط 1250 م ، إلى حين وفاته في قلعة تعز في رمضان سنة 694 ه / تموز 1295 م وخلفه عليها ولده الملك الأشرف ممهد الدين عمر ، ترجمته في : الذهبي : العبر 3 / 384 ، ابن كثير : البداية 13 / 341 الخزرجي : العقود 1 / 232 - 238 ، ابن الديبع : بغية المستفيد ، ص 83 - 87 ، الزركلي : 8 / 243 - 244 . ( 2 ) في الأصل : لهما . ( 3 ) كذا ، والعبارة مضطربة .